الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
86
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
سورة آل عمران وفي المقدمة الأولى من هذا التفسير . ويطلق التأويل على اتضاح ما خفي من معنى لفظ أو إشارة ، كما في قوله تعالى : هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ [ يوسف : 100 ] وقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [ الأعراف : 53 ] أي ظهور ما أنذرهم به من العذاب . والتأويل الذي في هذه الآية يحتمل المعنيين ولعل كليهما مراد ، أي لما يأتهم تأويل ما يدّعون أنهم لم يفهموه من معاني القرآن لعدم اعتيادهم بمعرفة أمثالها ، مثل حكمة التشريع ، ووقوع البعث ، وتفضيل ضعفاء المؤمنين على صناديد الكافرين ، وتنزيل القرآن منجما ، ونحو ذلك . فهم كانوا يعتبرون الأمور بما ألفوه في المحسوسات وكانوا يقيسون الغائب على الشاهد فكذبوا بذلك وأمثاله قبل أن يأتيهم تأويله . ولو آمنوا ولازموا النبي صلى اللّه عليه وسلم لعلموها واحدة بعد واحدة . وأيضا لما يأتهم تأويل ما حسبوا عدم التعجيل به دليلا على الكذب كما قالوا : إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] ظنا أنهم إن استغضبوا اللّه عجّل لهم بالعذاب فظنوا تأخر حصول ذلك دليلا على أن القرآن ليس حقا من عنده . وكذلك كانوا يسألون آيات من الخوارق ، كقولهم : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [ الإسراء : 90 ] الآية . ولو أسلموا ولازموا النبي - عليه الصلاة والسلام - لعلموا أن اللّه لا يعبأ باقتراح الضلال . وعلى الوجهين فحرف لَمَّا موضوع لنفي الفعل في الماضي والدلالة على استمرار النفي إلى وقت التكلم ، وذلك يقتضي أن المنفي بها متوقّع الوقوع ، ففي النفي بها هنا دلالة على أنه سيجيء بيان ما أجمل من المعاني فيما بعد ، فهي بذلك وعد ، وأنه سيحل بهم ما توعدهم به ، كقوله : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا [ الأعراف : 53 ] الآية . فهي بهذا التفسير وعيد . وجملة : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ استئناف . والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم أو لمن يتأتى منه السماع . والإشارة ب كَذلِكَ إلى تكذيبهم المذكور ، أي كان تكذيب الذين من قبلهم كتكذيبهم ، والمراد بالذين من قبلهم الأمم المكذبون رسلهم كما دل عليه المشبه به . ومما يقصد من هذا التشبيه أمور : أحدها : أن هذه عادة المعاندين الكافرين ليعلم المشركون أنهم مماثلون للأمم التي كذبت الرسل فيعتبروا بذلك . الثاني : التعريض بالنذارة لهم بحلول العذاب بهم كما حل بأولئك الأمم التي عرف